الشيخ محمد رشيد رضا
416
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( 32 : 4 ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ) وقال ( 33 : 17 قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً ؟ وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ) وقال في آيتين أخريين منها ( 2 و 48 وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ) * والآيات كثيرة في توليهم له بالطاعة ، وتوليه لهم بالهداية والعناية والإعانة والنصر والتوفيق . وحسبنا هنا ما نفاه عنهم وما وصفهم به ثم ما زفه إليهم من البشارة فأما ما نفاه مخبرا به نهم فقوله لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وهو ما نفاه عن جميع المؤمنين الصالحين والمصلحين والمتقين في الآيات الكثيرة ( راجع 2 : 62 و 5 : 72 و 6 : 48 و 7 : 43 و 49 وقد تقدم تفسيرها ) فأما في الآخرة حيث يتحقق هذا على أتم وجه وهو المقصود بالذات فلا خوف يقع عليهم ويرهقون به مما يخاف الكفار والفساق والظالمون من أهوال الموقف وعذاب الآخرة ، كما قال تعالى بعد ذكر إبعادهم عن جهنم ( 2 : 103 لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ) الآية ، ولا هم يحزنون على ما تركوا وراءهم وأما في الدنيا فلا يخافون مما يخاف غيرهم من الكفار وضعفاء الايمان وعبيد الدنيا من مكروه يتوقع كلقاء العدو قال ( 3 : 175 فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) أو بخس في الحقوق أو رهق يغشاهم بالظلم والذل ، قال ( 72 : 13 فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً ) ولا هم يحزنون من مكروه أو ذهاب محبوب وقع بالفعل كما قال ( 57 لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ) والمراد أنهم لا يخافون في الدنيا كخوف الكفار ولا يحزنون كحزنهم ، وسنذكر نفي الخوف والحزن عنهم عند الموت . وأما أصل الخوف والحزن فهو من الاعراض البشرية التي لا يسلم منها أحد في الدنيا ، وإنما يكون المؤمنون الصالحون أصبر الناس وأرضاهم بسنن اللّه اعتقادا واما بأنه إذا ابتلاهم بشيء مما يخيف أو يحزن فإنما يربيهم بذلك لتكميل نفوسهم وتمحيصها بالجهاد في سبيله الذي يزداد به أجرهم كما صرحت بذلك الآيات الكثيرة . * * * وأما ما وصفهم وعرفهم به فقوله الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ فهذا استئناف لبيان حال هؤلاء الأولياء النفسية العلمية والعملية ، اي هم الذين جمعوا بين الايمان الصحيح باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وملكة التقوى له عز